ابن أبي العز الحنفي

401

شرح العقيدة الطحاوية

من رياض الجنة ، لا يصل من هذا إلى جاره شيء من حرّ ناره ، ولا من هذا إلى جاره شيء من نعيمه . وقدرة اللّه أوسع من ذلك وأعجب ، ولكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به علما . وقد أرانا اللّه في هذه الدار من عجائب قدرته ما هو أبلغ من هذا بكثير . وإذا شاء اللّه أن يطلع على ذلك بعض عباده أطلعه وغيّبه عن غيره ، ولو اطلع اللّه على ذلك العباد كلهم لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب ، ولما تدافن الناس ، كما في « الصحيح » عنه صلى اللّه عليه وسلّم : « لولا أن لا تدافنوا لدعوت اللّه أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع » « 530 » . ولمّا كانت هذه الحكمة منتفية في حق البهائم سمعته وأدركته . وللناس في سؤال منكر ونكير : هل هو خاص بهذه الأمة أم لا ثلاثة أقوال : الثالث التوقف ، وهو قول جماعة ، منهم أبو عمر بن عبد البر ، فقال : وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، قال : « إن هذه الأمة تبتلى في قبورها » « 531 » - منهم من يرويه « تسأل » ، وعلى هذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة قد خصت بذلك ، وهذا أمر لا يقطع به ، ويظهر عدم الاختصاص ، واللّه أعلم . وكذلك اختلف في سؤال الأطفال أيضا : وهل يدوم عذاب القبر أو ينقطع ؟ جوابه أنه نوعان : منه ما هو دائم ، كما قال تعالى : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا ، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ غافر : 46 . وكذلك في حديث البراء بن عازب في قصة الكافر : « ثم يفتح له باب إلى النار فينظر إلى مقعده فيها حتى تقوم الساعة » « 532 » ، رواه الإمام أحمد في بعض طرقه . والنوع الثاني : أنه مدة ثم ينقطع ، وهو عذاب بعض العصاة الذين خفّت جرائمهم ، فيعذب بحسب جرمه ، ثم يخفف عنه ، كما تقدم ذكره [ في ] الممحّصات العشرة . وقد اختلف في مستقرّ الأرواح ما بين الموت إلى قيام الساعة : فقيل : أرواح المؤمنين في الجنة ، وأرواح الكافرين في النار ، وقيل : إن أرواح المؤمنين بفناء الجنة

--> ( 530 ) اخرجه مسلم عن أبي سعيد وعن أنس ، لكن دون قوله : « ما اسمع » . ( 531 ) مسلم واحمد ، وهو مخرج في « الصحيحة » ( 159 ) . ( 532 ) صحيح ، وقد تقدم بتمامه الحديث ( رقم 525 ) .